الشوكاني

246

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 76 - 77 ) قوله ( يوم ندعوا كل أناس بامامهم ) قال الزجاج : يعني يوم القيامة ، وهو منصوب على معنى أذكر يوم ندعوا . وقرئ " يدعو " بالياء التحتية على البناء للفاعل ويدعى على البناء للمفعول ، والباء في بامامهم للإلصاق كما تقول : أدعوك باسمك ، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف هو حال ، والتقدير : ندعو كل أناس متلبسين بامامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده ، والأول أولى والامام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب . وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي تدعى كل أناس به ، فقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك إنه كتاب كل إنسان الذي فيه عمله : أي يدعى كل إنسان بكتاب عمله ، ويؤيد هذا قوله - فأما من أوتى كتابه - الآية ، وقال ابن زيد الإمام : هو الكتاب المنزل عليهم فيدعى أهل التوراة بالتوراة ، وأهل الإنجيل بالإنجيل ، وأهل القرآن بالقرآن ، فيقال : يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا أهل القرآن . وقال مجاهد وقتادة : إمامهم نبيهم فيقال هاتوا متبعي إبراهيم ، هاتوا متبعي موسى ، هاتوا متبعي عيسى ، هاتوا متبعي محمد ، وبه قال الزجاج . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، المراد بالإمام إمام عصرهم ، فيدعى أهل كل عصر بإمامهم الذي كانوا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه . وقال الحسن وأبو العالية : المراد بإمامهم أعمالهم ، فيقال مثلا : أين المجاهدون أين الصابرون أين الصائمون أين المصلون ؟ ونحو ذلك . وروى عن ابن عباس وأبي هريرة . وقال أبو عبيدة ، المراد بإمامهم صاحب مذهبهم ، فيقال مثلا : أين التابعون للعالم فلان بن فلان ، وهذا من البعد بمكان . وقال محمد بن كعب : بإمامهم بأمهاتهم ، على أن إمام جمع أم كخف وخفاف . وهذا بعيد جدا . وقيل الإمام هو كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعلم والكرم والشجاعة . أو قبيح كأضدادها . فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن هو كالإمام ذكر معناه الرازي في تفسيره ( فمن أوتى كتابه بيمينه ) من أولئك المدعوين ، وتخصيص اليمين بالذكر للتشريف والتبشير ( فأولئك ) الإشارة إلى من باعتبار معناه . قيل ووجه الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل ، أو الإشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع لا على وجه الانفراد ( يقرءون كتابهم ) الذي أوتوه ( ولا يظلمون فتيلا ) أي لا ينقصون من أجورهم قدر فتيل ، وهو القشرة التي في شق النواة ، أو هو عبارة عن أقل شئ ولم يذكر أصحاب الشمال تصريحا . ولكنه ذكر سبحانه ما يدل على حالهم القبيح فقال ( ومن كان في هذه أعمى ) أي من كان من المدعوين في هذه الدنيا أعمى : أي فاقد البصيرة . قال النيسابوري : لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب . وأما قوله ( فهو في الآخرة أعمى ) فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله - ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا - وفى هذا زيادة العقوبة ، ويحتمل أن يراد عمى القلب . وقيل المراد بالآخرة عمل الآخرة : أي فهو في عمل ، أو في أمر الآخرة أعمى ، وقيل المراد من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى ، وقيل من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى ، وقيل من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله فهو في الآخرة أعمى ، وقد قيل إن قوله " فهو في الآخرة أعمى " أفعل تفضيل : أي أشد عمى وهذا مبني على أنه من عمى القلب إذ لا يقال ذلك في عمى العين . قال الخليل